ابن جبير
232
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )
ظل ولا ثمر فهي تشتكي ظماءها وتسقى على البعد ماءها فيجلب لها من نهيرها العاصي وهي منها بنحو مسافة الميل وعليه طرة بساتين تجتلى العين خضرتها وستغرب نضرتها ومنبعه في مغارة بصفح جبل فوقها بمرحلة بموضع يقابل بعلبك أعادها الله وهي عن يمين الطريق إلى دمشق وأهل هذه البلدة موصوفون بالنجدة والتمرس بالعدو لمجاورتهم إياه وبعدهم في ذلك أهل حلب فأحمد خلال هذه البلدة هواؤها الرطب ونسيمها الميمون تخفيفه وتجسيمه فكأن الهواء النجدي في الصحة شقيقه وقسيمه وبقبلي هذه المدينة قلعة حصينة منيعة عاصية غير مطيعة قد تميزت وانحازت بموضوعها عنها وبشرقيها جبانة فيها قبر خالد بن الوليد رضي الله عنه هو سيف الله المسلول ومعه قبر ابنه عبد الرحمن وقبر عبيد الله بن عمر رضي الله عنهم وأسوار هذه المدينة في غاية العتاقة والوثاقة مرصوص بناؤها بالحجارة الصم السود وأبوابها أبواب حديد سامية الاشراف هائلة المنظر رائعة الاطلال والأناقة تكتنفها الأبراج المشيدة الحصينة واما داخلها فما شئت من بادية شعثاء خلقة الارجاء ملفقة البناء لا إشراق لآفاقها ولا رونق لأسواقها كاسدة لا عهد لها نفاقها وما ظنك ببلد حصن الأكراد منه على أميال يسيرة وهو معقل العدو فهو منه تتراءى ناره ويحرق إذا يطير شراره ويتعهد إذا شاء كل يوم مغاره وسألنا أحد الأشياخ بهذه البلدة هل فيها مارستان على رسم مدن هذه الجهات فقال وقد أنكر ذلك حمص كلها مارستان وكفاك تبيينا شهادة أهلها فيها وبها مدرسة واحدة وتجد في هذه البلدة عند إطلالك عليها من بعد في بسيطها ومنظرها وهيئة موضوعها بعض شبه بمدينة إشبيلية من بلاد الأندلس يقع للحين في نفسك خياله وبهذا الاسم سميت في القديم وهي العلة التي